‏إظهار الرسائل ذات التسميات أمثال القرآن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أمثال القرآن. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 12 فبراير 2012

مثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها


مثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها

قال الله تعالى :﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ * مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾(الأعراف:175- 178)

أولاً- هذه الآيات نزلت في إنسان كان عالمًا بدين الله تعالى ، ثم خرج منه إلى الكفر والضلال . وظاهر الموصول المفرد ( الَّذِي ) يشير إلى أن صاحب الصلة واحد معيَّن ، وأن مضمون الصلة حال من أحواله التي عرف بها . وإذا كانت الآية الكريمة- كما ترى- قد أبهمتْ اسمه ، واقتصرتْ على الإشارة إلى إجمال قصته ، فإنها مع ذلك ظاهرة في أنه نبأٌ واقعٌ ، لا مجرَّدَ تمثيل ؛ كما ذهب إليه بعضهم .

ومناسبةُ هذه الآيات لما قبلها إشارةٌ إلى العبرة من حال هذا الذي أخذ الله عليه العهد بالتوحيد والامتثال لأمر الله جل وعلا ، وأمده بعلم يعينه على الوفاء بما عاهد الله عليه في الفطرة ، ثم لم ينفعه ذلك كله ، حين لم يقدر الله سبحانه له الهدى .

وقد اختلف المفسرون في تعيين هذا الإنسان على أقوال ، أقربها إلى الحقيقة- على ما قيل- أن يكون صاحب هذا النبأ ممَّن كان للعرب إلمامٌ بمُجْمَلِ خبره كأميَّةَ بن أبي الصَّلْت الثقفي ؛ وذلك أن أميَّة كان- فيما روي عنه- ممن أراد اتِّباعَ دينٍ غير دين الشرك ، طالبًا دينَ الحق ، ونظر في التوراة والإنجيل ، فلم يرَ النجاة في اليهودية ولا النصرانية ، وتزهَّد وتوخَّى الحنيفية دينَ إبراهيم- عليه السلام- وأخبر أن الله يبعث نبيًّا في العرب ، فطمع أن يكونَ هو ذلك النبي ، ورفض عبادة الأصنام ، وحرَّم الخمر ، وذكر في شعره أخبارًا من قصص التوراة ، وكان يقول :

كل دين يوم القيامة عند ** اللَّه إلا دينَ الحنيفية زُورُ

فلما بُعِثَ محمد صلى الله عليه وسلم ، أَسِفَ أن لم يكن هو الرسول المبعوث في العرب . وقد اتفق أن خرج إلى البحرين قبل البعثة ، وأقام هنالك ثماني سنين ، ثم رجع إلى مكة ، فوجد البعثة ، وتردَّد في الإسلام ، ثم خرج إلى الشام ، ورجع بعد وقعة بدر ، فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم حَسَدًا ، ورَثَى من قُتِلَ من المشركين يومَ بدر ، وخرج إلى الطائف بلاد قومه ، فمات فيها كافرًا سنة ثمان ، أو تِسع . ولموته قصَّة طويلة أخرجها البُخَارِيُّ فِي تاريخه ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وغيرهما . وعن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل ، وكاد ابن أبي الصَّلْت أن يُسْلِمَ » . وروَى الفَاكِهِيُّ وابنُ مَنْدَهْ ، من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما : أن الفَارِعَةَ بنتَ أبي الصَّلْت ، أختَ أُمَيَّةَ أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنشدته من شعره ، فقال :« آمن شعره ، وكفر قلبه » . يريد أن شعره كشعر المؤمنين ؛ وذلك أنه يوحِّد الله في شعره ، ويذكُر دلائل توحيده من خلق السموات والأرض ، وأحوال الآخرة ، والجنة والنار ، والثواب والعقاب ، واسم الله وأسماء الأنبياء ، ومن شعره :

مليك على عرش السماء مهيمن ** لعزته تعنو الوجوه وتسجد

ومنه أيضًا :

مجدوا الله فهو للمجد أهل ** ربنا في السماء أمسى كبيرًا

ومنه من قصيدة أخرى :

يا رب لا تجعلني كافرًا أبدًا ** واجعل سريرة قلبي الدهر إيمانًا

قال الحافظ ابن حجر :« فلذلك قال : آمن شعره » . وذكر أبو الفَرَجِ الأصْبَهَانِيُّ أنه قال عند موته :« أنا أعلم أن الحنيفية حق ؛ ولكن الشكَّ يُداخِلُني في محمد » .

وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا الإنسان هو رجل من الكنعانيين ، كان في زمن موسى عليه السلام ، يقال له : بَلْعَامُ بْنُ بَاعُور . أو بَلْعَمُ بْنُ بَاعُوراءَ ، وكان عالمًا من علماء بني إسرائيل- كما روي عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ، وذكروا قصته فخلطوها وغيَّروها واختلفوا فيها . وقيل : كان من الكنعانيين أُوتِيَ علمَ بعض كتاب الله ؛ ولكنه كفر به ، ونبذه وراء ظهره ، فلحقه الشيطان ، وصار قرينًا له ، فكان من الغاوين الضالين الكافرين .

وذكر ابن عاشور في تفسيره أن بَلْعَامَ هذا ، أو بَلْعَمَ ، كان من صالحي أهل مَدْيَن وعرَّافيهم في زمن مرور بني إسرائيل على أرض ( مُؤَاب ) ؛ ولكنه لم يتغير عن حال الصلاح ، وذلك مذكور في سفر العدد من التوراة في الإصحاحات(22- 23- 24) ، فلا ينبغي الالتفات إلى هذا القول لاضطرابه واختلافه .

ثانيًا- وقوله تعالى :﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم . وقال تعالى :﴿ وَاتْلُ ﴾ ، ولم يقل :( وَاقْرَأْ ) ؛ لأن التلاوة تكون بإعادة ألفاظ المتلو كما هي ، دون شرح أو تعليق ، وبشكل متتال . والقراءة لا تكون إلا مع الشرح أو التعليق . يقال : قرأت العلم على فلان ، ولا يقال : تلوت العلم عليه . ويقال : قرأت رسالتك ، ولا يقال : تلوتها . ويقال : قرأ القرآن قراءة ، وتلاه تلاوة . أما قراءته فهي لفظ آياته مع شرحها والتعليق عليها ومقارنتها مع غيرها ، وعلى هذا جاء قوله تعالى :﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾(الأعراف:204) . وأما تلاوة القرآن فهي لفظ آياته بالتتالي ، دون أي شرح أو تعليق أو مقارنة ، وعلى هذا جاء قوله تعالى :﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ﴾(النمل:91-92) ، فالقرآن يقرأ للتدبر والفهم ، ويتلى للتعبد . ومن هنا قيل : القرآن هو المتعبَّد بتلاوته . أما الكتاب كله فيتلى للتعبد . قال تعالى :﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾(البقرة:121) .

قال ابن عاشور :« وشأن القصص المفتتحة بقوله تعالى :﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ أن يُقْصَدَ منها وَعْظُ المشركين بصاحب القصة ، بقرينة قوله تعالى بعد ذلك :﴿ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، ويحصل من ذلك- أيضًا- تعليمٌ ؛ مثل قوله تعالى :﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ﴾(المائدة:27) ، وقوله :﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ﴾(يونس:71) ، وقوله :﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴾(الشعراء:69) ، ونظائر ذلك كثير . فالضمير في﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ عائد على حاضري محمد صلى الله عليه وسلم من كفار أهل الكتاب ، وغيرهم من مشركي العرب الذين وُجِّهَتْ إليهمُ العِبَرُ والمَواعظُ من أول هذه السورة ، وقصَّت عليهم قَصَصَ الأمم مع رسلهم .. ومناسبة فعل التلاوة لهم أنهم كانوا قومًا تغلب عليهم الأميَّةُ ، فأراد الله تعالى أن يبلِّغ إليهم من التعليم ما يُساوونَ به حال أهل الكتاب في التلاوة » .

والنبأ في قوله تعالى :﴿ نَبَأَ الَّذِي ﴾ هو الخبرُ المَرْوِيُّ عن الأمر العظيم ، ومنه قوله تعالى :﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾(النبأ:1-2) . والفرق بين النبأ والخبر : أن النبأ لا يوصف إلا بالصدق ، بخلاف الخبر ؛ ولهذا يقال : نشرة الأخبار ، ولا يقال : نشرة الأنباء .

تأمل بعد ذلك قوله تعالى :﴿ آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا ﴾ ، كيف أخبر سبحانه أن ذلك إنما حصل له بإيتاء الرب له ، لا بتحصيله هو . والمراد به : علَّمناه حججَ التوحيد ، وفهَّمناه أدلَّته ، حتى صار عالمًا بها . وقال تعالى :﴿ آَتَيْنَاهُ ﴾ ، ولم يقل :( أعطيناه ) ، لمَا في الإيتاء من سرعة الإعطاء وسهولته ؛ كما في قوله تعالى :﴿ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ ﴾(البقرة:251) .

وقوله تعالى :﴿ فَانْسَلَخَ مِنْهَا ﴾ يدلُّ على أنه كان فيها ، ثم خرج منها . والتعبير عن ذلك بالانسلاخ ، المُنْبِىءِ عن اتصال المُحيط بالمُحاط خِلْقَةً ، وعن عدم الملاقاة بينهما أبدًا ؛ للإيذان بكمال مُباينته للآيات بعد أن كان بينهما كمالُ الاتصال . والانسلاخُ من الشيء عبارةٌ عن البَراءة منه ، والانفصال والبعد عنه ؛ كالانسلاخ من الثياب والجلد . ويقال لكل من نبذ شيئًا وكفر به وفارقه بالكلية : انسلخ منه . وقيل : حقيقةُ الانسلاخ هي خروجُ جسد الحيوان من جلده حينما يُسْلَخُ عنه . يقال : انسلخت الحيَّة من جلدها ، إذا خرجت منه . واستُعير في الآية للانفصال المعنوي ، وهو ترك التلبُّس بالشيء ، أو عدم العمل به . وقيل : معنى الانسلاخ من الآيات : الإقلاعُ عن العمل بما تقتضيه ؛ وذلك أن الآيات أعلمته بفساد دين الجاهلية ، ومع ذلك فقد انسلخ منها ؛ كما ينسلخ الإنسان أو الحيوان من جلده ، فخرج بذلك من محبة الله إلى معصيته ، ومن رحمة الله إلى سخطه ، ونُزِع منه العلم الذي كان يعلمه .

وتأمل كيف قال تعالى :﴿ فَانْسَلَخَ مِنْهَا ﴾ ، ولم يقل : ( فسلخناه منها ) ؛ بل أضاف الانسلاخ إليه ، وعبَّر عن براءته منها بلفظة الانسلاخ ، الدالة على تخليه عنها بالكلية ، وهذا شأن الكافر . وأما المؤمن ، ولو عصى الله تبارك وتعالى ما عصاه ، فإنه لا ينسلخ من الإيمان بالكلية .

وقال تعالى :﴿ فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ﴾ ، ولم يقل :( فتَبِعَهُ الشيطان ) ؛ لأن ( تَبِعَهُ ) معناه : سار في أَثَرِهِ . أما ( أتْبَعَهُ ) فمعناه : أنه لحق به وأدركه ، ومنه قوله تعالى :﴿ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ ﴾(الشعراء:60) . أي : لحقوهم ووصلوا إليهم ، وقوله :﴿ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴾(الحجر:18) ، وقوله :﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ﴾(يونس:90) . وقيل : إن قوله تعالى :﴿ فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ﴾ يدل على أن الشيطان كان آيسًا من كفره ، وقد انقطعت صلته به ؛ لكنه لما انسلخ من الآيات ، لحقه الشيطان ، وأخذ يوسوس له كلَّ يوم إلى أن جعله من الغاوين .

وقوله تعالى :﴿ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ . أي : كان من المتصفين بالغي . والغيُّ هو الضلال ، وهو أشد مبالغة في الاتصاف بالغواية ، من أن يقال :( فغوى ) ، أو يقال : ( فكان غاويًا ) . وإنما كان قوله تعالى :﴿ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ أشدَّ مبالغة من أن يقال :( فكان غاويًا ) ؛ لأنه يشهد له بكونه معدودًا في زمرتهم ، ومعروفةٌ مساهمتُه لهم في الغواية .

وقال الراغب الأصفهاني في مفردات غريب القرآن :« الغَيُّ : جهلٌ من اعتقاد فاسد ؛ وذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقادًا ، لا صالحًا ولا فاسدًا ، وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد ، وهذا النحو الثاني يقال له : غَيٌّ » . قال تعالى :﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾(النجم:2) . أي : ما لابس الغَيَّ ، وهو جهل من اعتقاد فاسد . وقوله تعالى :﴿ إِِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ ﴾(القصص:18) . أي : بيِّن الغواية . وقال تعالى :﴿ وَبُرّزَتِ الجحيم لِلْغَاوِينَ ﴾(الشعراء:91) . أي : الضَّالِّين عن طريق الحق .

وفي مسند الإمام أحمد عن أبي برزة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال :« إن أخوفَ ما أخاف عليكم شهواتُ الغَيِّ في بطونكم وفروجكم ، ومُضلات الهوى » ؛ فإن الغي والضلال يجمع جميع سيئات بني آدم . وإن الإنسان ، كما قال تعالى :﴿ وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾(الأحزاب:72) . فبظلمه يكون غاويًا ، وبجهله يكون ضالاً . وكثيرًا ما يجمع بين الأمرين ، فيكون ضالاً في شيء ، غاويًا في شيء آخر ؛ إذ هو ظلوم جهول ، ويعاقب على كل من الذنبين بالآخر ؛ كما قال الله تعالى :﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾(البقرة:10) ، وكما قال :﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾(الصف:5) .

ثم قال تعالى :﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ ، فأخبر سبحانه أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم ؛ وإنما هي باتِّباع الحق وإيثاره ، وقصد مرضاة الله تعالى ؛ فان هذا الإنسان كان من أعلم أهل زمانه ولم يرفعه الله بعلمه . فالرفعة بالعلم قدر زائد على مجرد تعلمه . والرافع هو الله تعالى ، يرفع عبده ، إذا شاء بما آتاه من العلم . وإن لم يرفعه الله فهو موضوع لا يرفع أحدٌ به رأسًا ؛ وذلك منوط بمشيئة الله تعالى . والله سبحانه لا يشاء ذلك لمن أعرض عنه ، وأقبل إلى غيره ؛ لأن الإعراض عن الله سبحانه ، وتكذيب آياته ظلم ، وقد حق القول منه سبحانه أنه ﴿ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾(البقرة:258) ؛ ولذلك عقب تعالى على قوله :﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ بقوله :﴿ وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ ، فأخبر عن السبب الذي منعه أن يرفع بهذه الآيات .

وقوله تعالى :﴿ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ﴾ . أي : لجأ إليها وسكن ، فكانت نفسه أرضية سفلية ، وبحسب ما يخلد العبد إلى الأرض ، يهبط من السماء .. وأصل الإخلاد من الخلود ، وهو الدوام والبقاء . يقال : فلان أخلد ولاذ بالمكان ، إذا أقام فيه مع الاطمئنان به ، ظانًّا أنه مخلد فيه إلى الأبد . ومنه قوله تعالى :﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ﴾(الواقعة:17) . أي : خلقوا للبقاء ، لا يتغيرون ولا يكبرون . والخلد هو دوام البقاء في دار لا يخرج منها ؛ كالدار الآخرة ، وسمِّيت بدار الخلد ، لبقاء أهلها فيها . وقوله تعالى :﴿ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾(الهُمَزَة:3) . أي : يعمل عمل من لا يظن مع يساره أنه يموت .

وقوله تعالى :﴿ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ معناه : أنه أعرض عن التمسك بما آتاه الله من الآيات ، وانقاد لما دعاه إليه الهوى . والمعنى : لكنا لم نشأ ذلك ؛ لأنه أخلد إلى الأرض واتَّبع هواه ، فبات في قلق دائم وانشغل بالدنيا وأعراضها . وكان ذلك مَوْردًا لإضلال الله تعالى له ، لا لهدايته ، كما قال تعالى :﴿ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ ﴾(إبراهيم:27) .

فإن قيل : الاستدراك بـ( لَكِنَّ ) يقتضي أن يثبت بعدها نفي ما قبلها . أو ينفى ما أثبت ، كما تقول : لو شئت لأعطيته ، لكني لم أعطه . ولو شئت لما فعلت كذا ، لكني فعلته . فالاستدراك يقتضي أن يكون نظم الكلام هكذا :( ولو شئنا لرفعناه بها ، ولكنا لم نشأ ) . أو هكذا :( فلم نرفعه ) ، فكيف استدرك بقوله تعالى :﴿ وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ﴾ ، بعد قوله :﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ ؟

وأجيب عن ذلك بأن هذا من الكلام الملحوظِ فيه المعنى ، المعدولِ فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني ؛ وذلك أن مضمون قوله تعالى :﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ أنه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي رفعه بالآيات ، من إيثار الله ومرضاته على هواه ، ولكنه آثر الدنيا وأخلد إلى الأرض واتبع هواه .

ثالثًا- ثم ضرب الله تعالى لهذا الإنسان الذي وصف من حاله ما وصف مَثَلاً بالكلب اللاهث على كل حال ، فقال سبحانه :﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ . أي : مثله كهذا المثل . بمعنى : أن مثله يشبه هذا المثل . فالأول مشبَّه ، والثاني مشبَّه به . وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس ، وكلاهما معنى موجود في الذهن . والمقصود منه بيان أن من أوتي الهدى ، فانسلخ منه إلى الضلال والهوى ، ومال إلى الدنيا حتى تلاعب به الشيطان ، كان منتهاه إلى الهلاك ، وخاب في الآخرة والأولى . والله تعالى ذكر قصته ؛ ليحذر الناس من مثله .

فهذا هو مثل العالم الذي يؤثر الدنيا على الآخرة ، وهو شَرُّ تمثيلٍ في أنه قد غلب عليه هواه حتى صار لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ، بكلبٍ لاهثٍ أبدًا ، حُمِلَ عليه ، أو لم يُحْمَل ، فهو لا يملك ترك اللَّهَثان . قال مجاهد :« أي : إن تحمل عليه بدابتك أو رجلك يلهث ، أو تتركه يلهث .. وكذلك من يقرأُ الكتابَ ولا يعملُ بما فِيهِ » .

ومعلوم أن إيثار الجملة الاسمية على الفعلية ، بأن يقال :( فَصَارَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ.. الخ ) ، للإيذان بدوام اتصافه بتلك الحالة الخسيسة ، وكمال استقراره واستمراره عليها . قال السدي وغيره :« إن هذا الرجل عوقب في الدنيا بأنه يلهث ، كما يلهث الكلب ، فشبه به صورة وهيئة » . وقال الجمهور :« إنما شبه به في أنه كان ضالاً قبل أن يؤتَى الآيات ، ثم أوتيها ، فكان أيضًا ضالاً لم تنفعه ، فهو كالكلب في أنه لا يفارق اللهث ، في حال حمل عليه ، أو لم يحمل عليه » .

ومن الواضح أن التشبيه ليس هو بين هذا الإنسان ، والكلب ؛ وإنما هو بين مثله ، ومثل الكلب . ومثله يعني : المماثل له في تمام أحواله وصفاته ، وكذلك مثل الكلب . ولو كان المراد تشبيه هذا الإنسان بالكلب ، لوجب أن يقال :( فهو كالكلب ) ، وما أكثر الناس الذين يشبهون الكلاب ، وهم موجودون في كل زمان ومكان ، قال الشاعر العباسي إسماعيل بن إبراهيم الحَمْدَويِّ في هجاء أحدهم :

كالكلب إن تحمل عليـ ** ـه الدهرَ ، أو تتركه يلهث

وقيل : التشبيه في المثل هو تشبيهٌ للهيئة المنتزعة مما اعترى هذا الإنسان- بعد الانسلاخ من الآيات- من سوء الحال ، واضطرام القلب ، ودوام القلق والاضطراب ، وعدم الاستراحة بحال من الأحوال ، بالهيئة المنتزعة مما ذكر من حال الكلب . وذكر ابن عاشور أن هذا التمثيل من مبتكرات القرآن ؛ فإن اللهث حالة تؤذن بحرج الكلب من جرَّاء عسر تنفسه عن اضطراب باطنه ، وإن لم يكن لاضطراب باطنه سبب آت من غيره .

والكلب- مع ما عرف عنه من أمانة وإخلاص وذكاء- هو من أخبث الحيوانات ، وأوْضعها قَدْرًا ، وأخسِّها نَفْسًا ، وأشدِّها شَرَهًا وحِرْصًا . ومن شدة حرصه وشرهه- كما قال ابن القيم- أنه لا يمشي إلا وخَطْمُه في الأرض ، يَتشَمَّم ، ويسترْوح حرصًا وشرهًا ، ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزائه ، وإذا رميت إليه بحجر رجع إليه ؛ ليعضَّه من فرْط نهمته . وهو من أمْهَن الحيوانات ، وأحْملِها للهَوان ، وأرضَاها بالدنايا . والجِيَفُ القذرةُ المُرْوِحَةُ أحبُّ إليه من اللحم الطَّريِّ ، وإذا ظفر بميْتة تكفي مائةَ كلب ، لم يدع كلبًا واحدًا يتناول منها شيئًا ، إلا هرَّ عليه وقهره ؛ لحرصه وبخله وشرهه . ومن أبرز صفاته الذميمة التي لا تفارقه إنكارُه الضيف ، واللَّهَثُ على أيِّ حال .

وقال ابن منظور في لسان العرب :« اللَّهَثُ واللَّهَاثُ واللَّهَثانُ ، بفتح اللام المشددة فيها ، واللُّهَاثُ ، بالضم : حَرُّ العطش في الجوف . وقال الجوهري : اللَّهَْثانُ ، بالتحريك : العطشُ ، وبالتسكين : العطشان . وقال أيضًا : لَهَثَ الكلبُ ، بالفتح ، يلهَث لَهَثًا ولََُهَاثًا ، بالضم ، إذا أخرج لسانه من التعب ، أو العطش .. وكذلك الرجلُ إذا أَعْيَا . وفي التنزيل العزيز :﴿ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ ؛ لأنك إذا حملت على الكلب ، نبح وولَّى هاربًا ، وإن تركته شدَّ عليك ونبح ، فيتعب نفسه مقبلاً عليك ، ومدبرًا عنك ، فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان » .

وقال السيوطي في الدر المنثور :« أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج ، قال : الكلب منقطع الفؤاد ، لا فؤاد له ؛ مثل الذي يترك الهدى ، لا فؤاد له ؛ إنما فؤاده منقطع ، كان ضالاًّ قبل وبعد » . وقال ابن قتيبة :« كل شيء يلهث ؛ فإنما يلهث من إعياء ، أو عطشًا ، إلا الكلب ، فإنه يلهث في حال الكَلال ، وحال الراحة ، وحال الصحة ، وحال المرض ، والعطش ، فضرَبه الله مَثلاً لمن كذَّب بآياته » .

وفي تشبيه مَثلِ هذا الضال في حال لهفه على الدنيا بمثل الكلب في حال لهثه سِرُّ بديع ، وهو أن الذي مَثلُه فيما ذكره الله تعالى من انسلاخه من آياته ، واتِّباعه هواه ؛ إنما كان لشدة لهفه على الدنيا ، لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة ، فهو شديد اللَّهَف عليها . ولهَفُه نظير لهث الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه ، فإنه في الكلاب طبع ، لا تقدر على نفض الهواء المتسخِّن ، وجلب الهواء البارد بسهولة لضعف قلبها ، وانقطاع فؤادها ، بخلاف سائر الحيوانات ، فإنها لا تحتاج إلى التنفس الشديد ، ولا يلحقها الكرب والمضايقة إلا عند التعب والإعياء .

والجملتان الشرطيتان :﴿ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ تفسير لما أبهم في المثل ، وتفصيل لما أجمل فيه ، وتوضيح للتمثيل ببيان وجه الشبه ، على منهاج قوله تعالى :﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، إثر قوله تعالى :﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ ﴾ .

والخطاب في قوله تعالى :﴿ تَحْمِلْ عَلَيْهِ ﴾ ، وقوله :﴿ تَتْرُكْهُ ﴾ لمخاطب غير معيَّن ، فيشمل كل أحد ممن له حظ من الخطاب ؛ فإنه أدخل في إشاعة فظاعة حاله . والمعنى : إن يحمل عليه حامل ، أو يتركه تارك . و﴿ تَحْمِلْ عَلَيْهِ ﴾ من الحَمْلة , لا من الحِمْل ، وهي المطاردة والهجوم . وفي تاج العروس للزبيديِّ :« حمل عليه حَمْلة منكرة » . وفي الصحاح للجَوْهَريِّ :« حمل عليه في الحرب حَمْلة . قال أبو زيد : يقال : حملت على بني فلان ، إذا أرَّشْت بينهم » . أي : حملت بعضهم على بعض وحرَّشت . والتأريش والتحريش : الإفساد .

وتحدَّث الدكتور كارم السيد غنيم الأستاذ بـ( كلية العلوم- جامعة الأزهر ) في مقال له بعنوان ( الكلب في حياة الإنسان ) تحدَّث عن لهــث الــكلب من الناحية الفسيولوجية ، فقال :« تبلغ درجة الحرارة الطبيعية لجسم الكلب ( 38.6م ) ، وهى أعلى من درجة جسم الإنسان المعتادة ، والبالغة ( 37م ) . وإذا كان جسم الإنسان يفرز عرقًا من غدده العرقية من أجل تبريد الحرارة ، إذا ارتفعت عن الدرجة المعتادة ، فإن الكلب يسلك مسلكا آخر هو ( اللهث ) ، فيخرج لسانه ، ويلهث حتى عند الراحة ، فيلهث بسرعة (10-30) لهثه ، أو نَفَس في الدقيقة ، ولكن بعد بذل مجهود أو التعرض لخطر ما ، فإنه يلهث بأكثر من عشرة أضعاف هذا المعدل . ويضطر الكلب لأن يلهث ، في التعب والراحة ، لعدم وفرة غدده العرقية التي لا توجد سوى في وسادات أقدامه ، فهي لذلك لا تسهم في خفض درجة حرارة جسمه إلا بقدر ضئيل .

ولمزيد من التفصيل ، فإن تدلِّي لسان الكلب وفتْحِ فمه أثناء اللهث ، يؤدي إلى إدخال أكبر كمية ممكنة من الهواء الجوي إلى الجهاز التنفسي ، وخلالها يتم تبخير جزء من الماء الموجود في الأنسجة التي يمرّ فيها الهواء ، وبالتالي تنخفض درجة حرارة الجسم ... كما يسلك الكلب مسلكًا مساعدًا ، فيلحس أرجله من جسمه ، ويبلل لسانه بلعابه ، فيتبخر هذا اللعاب ، وهو ما يفيده في خفض درجة حرارة جسمه » .

رابعًا- وقوله تعالى :﴿ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا ﴾ إشارة إلى المَثَل المذكور بقوله تعالى :﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ ... ﴾ . أي : ذلك المثل السَّيِّء هو مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا . قال ابن عباس : يريد أهل مكة ، كانوا يتمنون هاديًا يهديهم ، وداعيًا يدعوهم إلى طاعة الله ، ثم جاءهم من لا يشكُّون في صدقه وديانته فكذبوه ، فحصل التمثيل بينهم ، وبين الكلب الذي إن تحمل عليه يلهث ، أو تتركه يلهث ؛ لأنهم لم يهتدوا لما تركوا ، ولم يهتدوا لما جاءهم الرسول ، فبقوا على الضلال في كل الأحوال ، كمَثل هذا الكلب الذي بقي على اللهث في كل الأحوال .

وقيل : هم اليهود ، حيث أوتوا في التوراة ما أوتوا من نعوت النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر القرآن المعجزة وما فيه ، فصدقوه ، وبشروا الناس باقتراب مبعثه ، فلمَّا جاءهم ما عرفوا ، كفروا به ، وانسلخوا من حكم التوراة . وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى :﴿ وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ﴾(البقرة:89) .

والظاهر أن المراد بقوله تعالى :﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا ﴾ العموم ، فيعم جميع المكذبين بآيات الله سبحانه ، ويدخل في ذلك العموم اليهود ، وأهل مكة دخولاً أوليًّا ، وفُرِّع على ذلك الأمرُ بقوله تعالى :﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ . والقصص مصدر سمِّي به المفعول . واللام للعهد . والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها . أي : إذا تحقق أن المثل المذكور مثل هؤلاء المكذبين ، فاقصصه عليهم حسبما أوحي إليك ؛ لعلهم يتفكرون ، فيقفون على جلية الحال ، وينزجرون عمَّا هم عليه من الكفر والضلال ، ويعلمون أنك قد علمته من جهة الوحي ، فيتعظون ، ويؤمنون ؛ فإن في القصص تفكُّرًا وموعظة ، وإن للأمثال واستحضار النظائر شانًا عظيمًا في اهتداء النفوس بها ، وتقريب الأحوال الخفية إلى النفوس الذاهلة أو المتغافلة ، لمَا في التمثيل بالقصة المخصوصة من تذكُّر مشاهدة الحالة بالحواس ، بخلاف التذكير المجرد عن التمثيل بالشيء المحسوس .

وقوله تعالى :﴿ سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ استئناف بياني ؛ لأنه جُعِل إنشاءُ ذمٍّ لهم ، بأن كانوا في حالة شنيعة ، وظلموا أنفسهم بتكذيبهم بآيات الله تعالى . وفي ذلك إشارة إلى أن التكذيب منهم سجيَّةٌ وهيئةٌ نفسانيَّة خبيثة لازمة ، فلا تزال آيات الله تعالى تتكرر على حواسهم ، ويتكرر التكذيب بها منهم . وفيه أيضًا إعلام لهم بأنهم لا يضرون شيئًا في هذا التكذيب ، بل ذلك ظلمٌ منهم لأنفسهم .

وقيل : إعادة لفظ ( الْقَوْم ) موصوفًا بقوله تعالى :﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ ، مع كفاية الضمير ، بأن يقال : ( سَاءَ مَثلًا مَثلُهم ) ؛ للإيذان بأن مدار السوء ما في حيِّز الصلة ؛ ولربط قوله تعالى :﴿ وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ به ؛ فإنه إما معطوف على قوله تعالى :﴿ كَذَّبُواْ ﴾ ، داخل معه في حكم الصلة ، بمعنى : جمعوا بين تكذيب آيات الله بعد قيام الحجة عليها وعلمهم بها ، وبين ظلمهم لأنفسهم خاصة . أو منقطع عنه ، بمعنى : وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم ، فإن وَبالَه لا يتخطَّاها . وأيًّا ما كان ، ففي قوله تعالى :﴿ يَظْلِمُونَ ﴾ لَمْحٌ إلى أن تكذيبهم بالآيات متضمِّن للظلم ، وأن ذلك أيضًا معتبَر في القصر المستفادِ من تقديم المفعول .

وقيل : الظلم هنا على حقيقته ، فإنهم ظلموا أنفسهم بما أحلَّوْه بها من الكفر الذي جعلهم مذمومين في الدنيا ومعذبين في الآخرة . وتقديم المفعول للاختصاص . أي : ما ظلموا إلا أنفسهم ، وشأن العاقل أن لا يؤذي نفسه . وفيه إزالة تبجحهم بأنهم لم يتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم ظنًا منهم أن ذلك يغيظه ويغيظ المسلمين ؛ وإنما يضُرون أنفسهم .

وعقَّب الله تعالى في ختام هذه الآيات ، على ما ذكر فيها من ذلك المثل الشاخص أمام العيون في ذلك المشهد المحسوس لذلك الإنسان الخسيس الذي آتاه الله تعالى آياته ، فانسلخ منها ، وما تلاه من وصف حال المشركين المكذبين ، بقوله :﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ ، فقرَّر سبحانه بذلك- على سبيل الحصر- أن من يهده الله فهو المهتدي حقًّا ، ومن يضله الله فهو الخاسر حقًّا . وزيد في جانب الخاسرين الفصلُ باسم الإشارة ﴿ أُولَئِكَ ﴾ لزيادة الاهتمام بتمييزهم بعنوان الخسران ، تحذيرًا منه .

وقد أخبر الله تعالى أنه لا يهدي من عباده إلا من أراد الهدى لنفسه ، وجاهد من أجله ، كما قال في آية أخرى :﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾(العنكبوت:69) ؛ كذلك أخبر سبحانه أنه لا يضل إلا من أراد الضلال لنفسه ، وأعرض عن دلائل الهدى , وأغلق قلبه وسمعه وبصره دونها ؛ وذلك كما جاء في الآية التالية لهذه الآية الكريمة :

﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾(الأعراف:179) ، وكما قال تعالى :﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً ﴾(النساء:168-169) .

بقلم : محمد إسماعيل عتوك


Leia Mais…

وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً ونَسِيَ خَلْقَهُ


قال الله عز وجل :﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم * قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيم ﴾(يس:77- 79) .

أولاً- هذه الآيات الكريمة ، جاءت في خاتمة سورة ( يس ) ، وفيها ذِكْرُ شُبْهَةِ مُنكِري البعث والنشور ، والجواب عنها بأتمِّ جواب وأحسنه وأوضحه ، في صورة حوار ، والغرض منها تثبيت أمر البعث عند منكريه ومعارضيه بعقولهم . وقد استُهِلت بقوله تعالى :﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾(يس: 77) . وهو كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكار الكافرين البعث ، بعدما شاهدوا في أنفسهم أوضح دلائله ، وأعدل شواهده ؛ كما أن ما سبق من قوله تعالى :﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا ﴾(يس: 71) كلام مستأنف مَسوقٌ لبيان بطلان إشراكهم بالله تعالى بعدما عاينوا فيما بأيديهم ما يوجب التوحيد والإسلام .

ثانيًا- وقوله تعالى :﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ ﴾ استفهام الغرض منه إنكار ما هو عليه هذا الإنسان من الشرك والتكذيب بالبعث ، وتنبيهه إلى ما كان قد شاهده بعينيه وعاينه في نفسه من خلقه تعالى لذاته ، وتذكيره به ؛ فكأنه قيل : أولم ير هذا الإنسان المنكر للبعث خلق الله تعالى لنفسه مع كونه آية مشهودة منظورة في واقعه وخاصة نفسه ، وهي في غاية الظهور ونهاية الأهمية ؟ فما بال هذا الجاحد يغفل عن خلقه من نطفة مهينة ، ولم يك من قبل شيئًا ؟! وما باله لا يتذكر ذلك ، ولا ينتبه إلى وجه دلالته , ولا يتخذ منه مصداقًا لوعد الله تعالى ببعثه ونشوره بعد موته ودثوره ؟! وهل خلقه من نطفة ميتة إلا إحياء بعد موت ؟! أليس في ذلك من الدليل على البعث والنشور ما يكفي لأن يتذكر ويترك خصومته ؟! ولكن أنَّى له الذكرى ، وقد لجَّ في الخصام والجدل الباطل !

ومذهب سيبويه وجمهور النحويين أن الواو في قوله تعالى :﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ ﴾ منويٌّ بها التقديم ، لعطف ما بعدها على ما قبلها ، وأن الهمزة تقدمت عبيها ، لكون الاستفهام له صدر الكلام ؛ وإنما جيء بها بعد الهمزة ، وكان القياس تقديمها عليها هكذا :﴿ وَأَلَمْ يَرَ ﴾ ؛ كما قدِّمت على ( هل ) في قوله تعالى :﴿ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾(طه: 9) ؛ لأنه لا يجوز أن يؤخر العاطف عن شيء من أدوات الاستفهام ؛ لأنها جزء من جملة الاستفهام ، والعاطف لا يقدم عليه جزء من المعطوف . وقيل : إنما خولف هذا في الهمزة دون غيرها ؛ لأنها أصل أدوات الاستفهام ، فأرادوا تقديمها ، تنبيهًا على أنها الأصل في الاستفهام . وعلى ذلك يكون قوله تعالى :﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾(يس:77) معطوفًا على قوله :﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا ﴾(يس:71) ، على أن الواو متقدمة على الهمزة في الاعتبار ، وأن تقدُّم الهمزة عليها لاقتضائها الصدارة في الكلام .

أما الزمخشري فقد اضطرب كلامه في ذلك ، فتارة جعل الهمزة متقدمة على الواو ، وتارة جعلها داخلة على جملة محذوفة عُطِف عليها الجملة التي بعدها ، فقدَّر بينهما فعلاً محذوفًا يقتضيه المقام ، مستتبعًا للمعطوف ، تعطف الواو عليه ما بعدها . وعليه يكون تقدير الكلام في الجملة الأولى : أغفل الإنسان ، ولم ير أنا خلقناه من نطفة ؟ ثم رجع أخيرًا إلى قول سيبويه وجمهور النحويين .

والتحقيق في هذه المسألة : أن الواو في هذا التركيب ( أَوَلَمْ يَرَ ) ونحوه مسلوبة الدلالة على العطف ، ومثلها في ذلك الفاء في قوله تعالى :﴿ أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾(سبأ:9) ، والأصل في هذا التركيب :( أَلَمْ يَرَ ) ، وهو تركيب يفيد الإثبات ، ويجرى في لسان العرب مجرى التنبيه ؛ كما في قوله تعالى :﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾(الحج:63) . سأل سيبويه الخليل عن هذه الآية ، فقال :« هذا واجب ، وهو تنبيه ؛ كأنك قلت : أتسمع ؟ » . وفي النسخة الشرقية من كتاب سيبَوَيْهِ :« انتبهْ ! أنزل الله من السماء ماء ، فكان كذا وكذا » .

وكون هذا الاستفهام يفيد الإثبات ، ويجري مجرى التنبيه ، يقتضي أن ما بعده قد وقع ، وعلم الناس به ؛ إما عن طريق المشاهدة ؛ كما في الآية السابقة :﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾(الحج:63) ، أو عن طريق السماع ؛ كما في قوله تعالى :﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بٍأًصْحَابِ الْفِيلِ ﴾(الفيل:1) ، فقد قيل في تفسيره : الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو وإن لم يشهد تلك الواقعة ، لكنه شاهد آثارها وسمع بالتواتر أخبارها ؛ فكأنه رآها .

ثم تدخل ( الواو ) بين الهمزة ، و( لم ) ، فتشير إشارة خفيَّة إلى حدوث فعل مغاير لما بعدها ، ما كان ينبغي أن يحدث ؛ كما في قوله تعالى هنا :﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ . أي : قد رأى الإنسان أنا خلقناه من نطفة ؛ ولكنه نسي ذلك وغفل عنه ، فأنكر قدرة الله تعالى على إحياء العظام الرميمة ، فذكَّره تعالى بمبدأ خلقه ؛ ليدله على النشأة الآخرة ، منكرًا عليه غفلته ونسيانه . ولو أنه تنبه وتذكر ، لما وقع منه ذلك الإنكار . وهذا المعنى الثاني ، وهو إنكار قدرة الله تعالى على إحياء العظام الرميمة ، هو الذي أشارت إليه هذه ( الواو ) التي أدخلت بعد الهمزة ، وهو معنى مغاير لما رآه ذلك الإنسان من خلق الله تعالى لذاته . وفرق كبير بين أن يقال في معنى الآية :( أغفل الإنسان عن مبدأ خلقه ، ولم يرَ ) ، وأن يقال :( قد رأى مبدأ خلقه ؛ ولكنه غفل ، أو نسي ) .

وقال تعالى :﴿ :﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ ﴾ ، ولم يقل : ( أَوَلَمْ يَنْظُر الْإِنسَانُ ) ؛ لأن حقيقة النظر هي تقليب البصر حيال مكان المرئي طلبًا لرؤيته ، ولا يكون ذلك إلا مع فقد العلم . والشاهد قولهم : نظر ، فلم يَرَ شيئًا . أما الرؤية فهي إدراك الشيء من الجهة المقابلة ، وذلك لا يكون إلا مع وجود العلم . ولكون الرؤية لا تكون إلا لموجود ، والعلم يتناول الموجود والمعدوم ، قال تعالى هنا :﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ ﴾ ، ولم يقل :﴿ أَوَلَمْ يَعْلَم الْإِنسَانُ ﴾ .. فتأمل هذه الفروق الدقيقة بين هذه التراكيب !

والمراد من ( الْإِنسَان ) هنا : عموم جنس الكافر المنكر للبعث ، وإن كانت الآيات نزلت في كافر مخصوص هو أبيُّ بن خلَف الجُمَحِيّ - في أصح الأقوال - وهو الذي قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحربة يوم أحد . قال المفسرون : إنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ، فقال : يا محمد ! أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمَّ ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :« نعم ، ويبعثك ، ويدخلك جهنم » ، فأنزل الله عزَّ وجل هذه الآية إلى آخر السورة .

وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب ؛ ولهذا كان حمله على العموم أولى من حمله على إنسان مخصوص ؛ ألا ترى أن قوله تعالى :﴿ قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾(المجادلة:1) قد نزل في واحدة ، والمراد به الكل في الحكم ؟ فكذلك كل إنسان منكر البعث ، فهذه الآية رَدٌّ عليه . وعلى ذلك يكون خطاب ( الْإِنسَان ) في الآية من حيث هو إنسان ، لا إنسان معين ، ويدخل فيه من كان سببًا في النزول تحت جنس الإنسان الكافر دخولاً أوليًّا .

وقوله تعالى :﴿ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ إشارة إلى وجه الدلالة على البعث والنشور ، وتنبيه على كمال القدرة والاختيار ؛ لأن النطفة جسم متشابه الأجزاء ، ويخلق الله تعالى منه أعضاء مختلفة ، وطباعًا متباينة ، وخَلْقُ الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون ؛ ولهذا لم يقدِر أحد على أن يدَّعيه ، كما لم يقدِر أحد على أن يدَّعي خَلْقَ السموات والأرض .

و( النطفة ) هي القليل من الماء الصافي ، ويعبَّر بها عن ماء الرجل الذي يخرج منه إلى رحم المرأة ، وتجمَع على : نُطَف ، ونِطاف . وقيل : سمِّي ماء الرجل نطفة ؛ لأنه ينطِف . أي : يقطر قطرة بعد قطرة ، من قولهم : نطِفت القربة ، إذا تقاطر ماؤها بقلَّة . ونقطة واحدة من مني الرجل تحوي آلاف الخلايا ، وخلية واحدة من هذه الآلاف هي التي تصير بقدرة الله الخالقة جنينًا ، ثم تُصَيِّر هذا الجنين إنسانًا ، فإذا هو خصيم مبين .

فهذه القدرة الخالقة التي تجعل من هذه النطفة المهينة التي لا قوام لها ولا قيمة ذلك الخصيم المبين ، هي التي يستعظم عليها أن تعيده بعد البلى . ولا شك أن النطفة شيء حقير مهين ، والغرض منه أن من كان أصله من مثل هذا الشيء الحقير لا يليق به أن يتجبَّر ، وأن يخاصم في أمر يشهد بصحته مبدأ خلقه من تلك النطفة الحقيرة المهينة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ﴾(الطارق:5-10) .

أما ( خَصِيمٌ ) فهو على وزن : فََعيلٌ ، وهو مبالغة في معنى : مُفاعِل ، من : خاصَم يخاصِم فهو مُخاصِمٌ . أي : كثير الخصومة . يقول أهل اللغة : خصيمك هو الذي يخاصمك . وفَعيلٌ بمعنى مُفاعِل معروف ، كالنَّسيب بمعنى : المُناسِب . والعَشير بمعنى المُعاشِر . ويجوز أن يكون مبالغة في معنى : فَاعل ، من قولك : خصِم يخصِم بمعنى : اختصم ، ومنه قراءة حمزة :﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ ﴾(يس:49) .

وأما ( مُبِينٌ ) فهو صفة فاعل ، من قولك : أبان الشيءَ يُبينه ، فهو مبين . أي : أظهره يظهره ، فهو مظهِر . وقيل : هو هنا كناية عن القدرة على المخاصمة ، كما أن قوله تعالى :﴿ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾(الزخرف:18) كناية عن عَجْز الأنثى عن المخاصمة ، وعدم قدرتها على الانتصار لنفسها . وقيل : قوله تعالى :﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ يحتمل وجهين من المعنى :

أحدهما : أن الله تعالى خلق الإنسان من نطفة ، فإذا هو خصيم لربه يكفر به ، ويجادل رسله ويكذب بآياته ، وكان حقُّه والواجب عليه أن يطيع وينقاد لأمر خالقه . والمقصود منه : وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل ، والتمادي في كفران النعمة .

والثاني : أن الله تعالى خلق الإنسان من نطفة قذرة ، ثم لم يزل ينقله من طور إلى طور ، حتى صيَّره عاقلاً متكلمًا ، ذا ذهن ورأي ، يخاصم ويجادل . والمقصود منه : أن الانتقال من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة العالية الشريفة لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم عليم .

فعلى الوجه الأول يكون سياق هذين الوصفين :﴿ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ سياق ذَمٍّ . وعلى الوجه الثاني يكون سياقهما سياق مدح . واختار الرازي هذا القول الثاني على أنه الوَجْهُ الأوْفَقُ ؛ لأن هذه الآيات- كما قال- مذكورة لتقرير وجه الاستدلال على وجود الصانع الحكيم ، لا لتقرير وقاحة الناس ، وتماديهم في الكفر والكفران . والظاهر – كما قال أبو حيَّان- أن سياق الوصفين سياق ذمًّ ؛ وذلك لوجهين :

أحدهما : مَا تقدَّم من قوله تعالى :﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ ، وأكثر ما ذكر لفظ ( الْإِنسَانُ ) في القرآن في معرض الذم ، أو مُرْدَفاً بالذم ؛ كما في قوله تعالى :﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾(الطارق:5) ، وقوله :﴿ إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾(إبراهيم:34) . وقد تلا الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى :﴿ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ﴾(الكهف:54) ، حين عاتب عليًًّا- كرَّم الله وجهه- على النوم عن صلاة الليل ، فقال له عليٌّ :« إنما نفسي بيد الله » ، فاستعمل ( الْإِنسَانُ ) على العموم .

والثاني : ما عُرِفَ عن المشركين من مخاصمَتهم ومجادلتهم لأنبياء الله تعالى ، وأوليائه بالحجج الداحضة على حدِّ زعمهم ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾(الزخرف:58) .

وما ينبغي الإشارة إليه هنا : أن المفاجأة بكون الإنسان خصيمًا مبينًا لم تقع بعد خلق الإنسان من النطفة ؛ لأن بين خلقه منها ، وكونه خصيمًا مبينًا أحوالاً تطوَّر فيها . وتلك الأحوال محذوفة ، وتقع المفاجأة بعدها ، وهي المشار إليها بقوله تعالى :﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً ثُمَّ أنشأناه خلقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾(المؤمنون:14) . وإنما جيء بالثاني عقِب الأول ؛ لأنه الوَصْفُ الذي آل إليه من التمييز والإدراك الذي يتأتَّى معه الخصام والجدل .

وقال الرازي :« وقوله :﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ فيه لطيفة غريبة ، وهي أنه تعالى قال : اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء ما خلق منه آية ظاهرة ، ومع هذا فهنالك ما هو أظهر وهو نطقه وفهمه ؛ وذلك لأن النطفة جسم ، فهَبْ أن جاهلاً يقول : إنه استحال وتكوَّن جسمًا آخرَ ؛ لكن القوة الناطقة والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة ؟ فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم ، وهو إلى إدراك القدرة والاختيار منه أقرب » .

وأضاف الرازي قائلاً :« فقوله :﴿ خَصِيمٌ ﴾ . أي : ناطق . وإنما ذكر الخصيم مكان النطق ؛ لأنه أعلى أحوال الناطق ، فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره . والمتكلم مع غيره ، إذا لم يكن خصيمًا لا يبين ، ولا يجتهد مثل ما يجتهد ، إذا كان كلامه مع خصمه . وقوله :﴿ مُبِينٌ ﴾ إشارة إلى قوة عقله . واختار الإبانة ؛ لأن العاقل عند الإفهام أعلى درجة منه عند عدمه ؛ لأن المبين بان عنده الشيء ، ثم أبانه . فقوله تعالى :﴿ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ إشارة إلى أدنى ما كان عليه ، وقوله :﴿ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ إشارة إلى أعلى ما حصل عليه » .

ثالثًا- ثم أخبر تعالى أن هذا الكافر المنكر للبعث والنشور ضرب لربه عز وجل مثلاً من خلقه لا ينبغي لأحد أن يضربه ، قاس فيه قدرة الله جل وعلا على قدرتهم ونفى الكل على العموم ، ونَسِيَ خلْقَ الله تعالى له على الوَجْهِ المذكور الدالِّ على بطلان ما ضربه من المَثَل ، فقال سبحانه :﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم ﴾ .

وقوله تعالى :﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً ﴾ معطوف على قوله :﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ . أي : ففاجأ بخصومته ، وضرب لنا مثلاً . أما على قول من قال : إن سياق الوصفين :( خَصِيمٌ ، ومُّبِينٌ ) سياق مدح لا ذمًّ ، فيكون حينئذ معطوفًا على الجملة المنفية داخلاً في حيِّز الإنكار .

والمَثَلُ هو الشيءُ يُضرَبُ للشيء مَثَلاً ، فيُجْعَل مِثْلَه أو شبهه ، أحدهما أصل ، والثاني فرع يقاس على الأصل ؛ للاعتبار به . وضَرْبُ المَثَل يعني : جمعُه وتقديرُه ، وهو من ضَرْب الدرهم ، وهو جمعُ فضَّة ، وتقديرُها . ويطلق لفظ المَثَل ، ويراد به : الأصل الذي يقاس عليه الفرع ، ويراد به مجموع القياس .

فمن الأول قوله تعالى :﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾(الجمعة: ) . فمَثَل الحمار يحمل أسفارًا أصل ، قيس عليه مَثَل الذين حملوا التوراة .

ومن الثاني قوله تعالى :﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم ﴾ . فمثَّل الخالق جل وعلا بالمخلوق في هذا النفي ، وقاس قدرته سبحانه على قدرة المخلوق ، ونفى الكل على العموم ، فجعل هذا مثل هذا ، لا يقدر على إحياء العظام .

وقوله تعالى :﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ عَطْفٌ ؛ إمَّا على قوله :﴿ ضَرَبَ ﴾ داخلٌ في حيِّزِ الإنكارِ والتَّعجيب ، أو : هو حالٌ من فاعله ، فيكون التقدير : وضرب لنا مثَلاً ، ناسيًا خَلْقَ الله تعالى له على الوجه المذكور . فلو لم ينسَ هذا الجاحد خلقه وذكر مبدأ كونه من العدم ، لما ضرب المثل ، فتحت قوله تعالى :﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾- كما قال ابن قيِّم الجوزية- ألطف جواب وأبين دليل . وهذا كما تقول لمن جحدك أن تكون قد أعطيته شيئًا : فلان جحدني الإحسان إليه ، ونسي الثياب التي عليه ، والمال الذي معه ، والدار التي هو فيها ، حيث لا يمكنه جحْد أن يكون ذلك منك .

وقوله تعالى :﴿ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم ﴾ ؟ استئناف بياني وقع جوابًا عن سؤال نشأ من حكاية ضربه المثل ؛ كأنه قيل : ما هذا المثل الذي ضربه ؟ فقال تعالى مُبَيِّنًا لهذا المثل ومُفَسِّرًا له :﴿ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم ﴾ ؟

فقول هذا الجاحد :﴿ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم ﴾ ؟ هو المثل المضروب الذي أخبر عنه بقوله تعالى :﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ ، وهو استفهام إنكار ، مُتضَمِّن للنفي . واستفهام الإنكار المتضمِّن للنفي لا يُنْفَى به في القرآن إلا ما ظهر بيانه ، أو ادُّعِيَ ظهورُ بيانه ، فيكون ضاربه : إما كاملاً في استدلاله وقياسه ؛ كقوله تعالى :﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾(الزمر:29) ، وإما جاهلاً بهما ؛ كهذا الإنسان الذي قاس قدرة الخالق جل وعلا بقدرة المخلوق ، واستدل به على عجز الله جل وعلا عن إحياء العظام الرميمة .

و( العِظامُ ) جمع : عظم ، وهو جمع تكسير . وجمع التكسير يجوز أن يراعى فيه تأنيث الجماعة ، وباعتباره قال تعالى :﴿ وَهِيَ ﴾ ، ولم يقل :﴿ وَهُوَ ﴾ ، مع أن العظم مذكَّر . ويجوز أن يراعى فيه معنى الواحد ، وباعتباره قال تعالى :﴿ رَمِيم ﴾ ، ولم يقل : رمائم ، أو : رميمة .. تأمل ذلك قوله تعالى :﴿وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ﴾(البقرة:259) ، كيف قال :﴿ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا ﴾ مراعاة لقوله :﴿ العِظَامِ ﴾ ، ثم قال :﴿ لَحْمًا ﴾ ، ولم يقل :﴿ لُحُومًا ﴾ ؛ لأن لفظ الواحد قد عُلِمَ أنه يراد به الجمع .

أما ( الرَّميمُ ) فهو اسم لما بَلِيَ من العظام وغيرها ؛ كالرِّمَّة والرُّفات ، ويطلق على الجمع والمفرد ، والمذكر والمؤنث ؛ لأن أصله مصدر : رَمَّ . يقال : رمَّ العظم يرِمُّ رَمًّا . أي : بَلِيَ ، فهو رَمِيمٌ ، ورُمَامٌ . ورُمَامٌ ، مبالغة في : رَميم . وفي لسان العرب عن اللحياني : الرَّميمُ ما بقي من نبتِ عامِ أول . وقال تعالى في الريح العقيم :﴿ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ﴾(الذاريات:42) . أي :جعلته كالشيء الهالك البالي ، قاله ابن مسعود ومجاهد . وقال قتادة : إنه الذي دِيسَ من يابس النبات . وقال أبو العالية والسدي : كالتراب المدقوق . وقال قطرب : الرميم : الرَّمَاد . وقال البغوي : وقيل : أصله من العظم البالي .

و( مَنْ ) في قوله :﴿ مَنْ يُحيِي العِظام ﴾ عامة في كل من يسند إليه خبر الإحياء ، ويشمل عمومها إنكاره أن يكون الله تعالى محييًا للعظام ، مستبعدًا إحياءها ، فقاس قدرة الخالق بالمخلوق ، ونفى الكل على العموم ؛ لأن ذلك ليس في مقدور الخَلْق . واختار العظام للذكر ؛ لأنها أبعد ما تكون عن الحياة ، لعدم الإحساس فيها ، ووصفها بما يقوِّي جانب الاستبعاد من البِلَى والتفتُّت . وهو- كما قال الشيخ ابن تيمية- : قياسٌ حُذِفت إحدى مقدمتيه لظهورها ، والأخرى سالبة كلية ، قرن معها دليلها ، وهو كون العظام رميمًا . والتقدير : هذه العظام رميم ، ولا أحد يحي العظام وهى رميم ، فلا أحد يحييها .

رابعًا- وبعد أن ضمَّن تعالى قوله من قبلُ :﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ ما وفَّى بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة ، أجاب سبحانه عن سؤال هذا الجاحد بما يتضمَّن أبلغ الدليل جوابًا شافيًا عن ثبوت ما أنكره ، زيادة في التأكيد والتقرير ، فقال مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم :﴿ قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيم ﴾ .

فقال سبحانه :﴿ قُلْ يُحْييها ﴾ ، ولم يقل :﴿ يُحْييها ﴾ ، تبكيتًا له بتذكير ما نسيه من فطرته الدالة على حقيقة الحال ، وإرشاده إلى طريقة الاستشهاد بها ، وهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجيب بجواب على طريقة الأسلوب الحكيم بحَمْل استفهام القائل على خلاف مراده ؛ لأنه لما قال :﴿ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم ﴾ ؟ لم يكن مراده طلبَ تعيين المُحْيِي ؛ وإنما كان مراده استبعادَ إحياء العظام واستحالتَه ، فأجيب بجواب من يطلب علمًا ؛ فلذلك بُنِيَ الجوابُ على فعل الإِحياء مسندًا للمُحْيِي . وهذا أشدُّ ما يكون من الحِجَاج ، ويسمَّى عند علماء البيان : الاحتجاج النظري ، وهو أن يذكر المتكلم معنى يستدلُّ عليه بضروب من المعقول ، وفيه الدلالة على وجوب القياس والاعتبار ؛ لأنه ألزمهم قياسَ النشأة الثانية على الأولى . وهو بمجرد تصوُّره ، يُعْلَمُ به علمًا يقينًا ، لا شُبْهَةَ فيه أن منْ قدر على الإنشاء أولاً من لا شيء ، كان على الإحياء أقدر وأقدر ، ومن كان الفعل الأصعب عليه سهلاً ، فمن الأولى أن يكون الفعل اليسير عليه أسهل ؛ وإليه الإشارة بقوله تعالى :﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾(الروم:27) .

وتعقيبًا على قوله تعالى :﴿ قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ ﴾ قال الألوسي :« وفي الحواشي الخفاجية كان الفارابي يقول : ودِدْت لو أن أرسطو وقف على القياس الجليِّ في قوله تعالى :﴿ قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ ﴾ ، وهو الله تعالى أنشأ العظام وأحياها أول مرة . وكلُّ منْ أنشأ شيئًا أولاً قادرٌ على إنشائه وإحيائه ثانيًا ؛ فيلزم أن الله عز وجل قادرٌ على إنشائها وإحيائها بقواها ثانيًا » ، فـ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

ولمَّا كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلْقه ، أتبعَ سبحانه وتعالى ذلك بقوله :﴿ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيم ﴾ . وهذا أيضًا دليل آخر من صفات الله تعالى ، وهو أن علمه تعالى محيط بكل شيء ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾(الأنعام:59) ، وفي ذلك دلالة أن الخالق لا يمكن أن يكون خالقًا إلا إذا كان قادرًا على الخلق ، ولا يكون قادرًا على الخلق إلا إذا كان عليمًا بالمخلوقات كلها ، محيطًا بجزئياتها وكلياتها في جميع الأحوال ، وفي جميع الأوقات .

وفي قوله تعالى :﴿ قُلْ يُحْييها ﴾ إشارة إلى كمال القدرة ، وفي قوله :﴿ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيم ﴾ إشارة إلى كمال العلم . والقدرة والعلم إذا اجتمعا ، كان من السهل إيجاد ما أُعدِم بعد أن كان موجودًا فأُعدِم . ومنكرو الحشر والنشر لا ينكرونه إلا لجهلهم بهذين الأصلين .

﴿ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أََوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾(الإسراء:49-52) .

فتبارك من تكلم بهذا الكلام الذي جمع في نفسه بوجازته وبيانه وفصاحته وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير الدليل ، وجواب الشبهات ، ودحض حجة الملحدين ، وإسكات المعاندين بألفاظ لا أعذب منها عند السمع ، ولا أحلى منها ومن معانيها للقلب ، ولا أنفع من ثمرتها للعبد .. والحمد لله رب العالمين !

بقلم : محمد إسماعيل عتوك

Leia Mais…