‏إظهار الرسائل ذات التسميات آيات ظاهرها التعارض. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات آيات ظاهرها التعارض. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 5 فبراير 2012

فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم

السلم والسلام والإسلام مصطلحات مركزية في القرآن الكريم، دعا إليها، ورفع من شأنها، ووجه الأنظار إليها؛ فنحن نقرأ بخصوص دعوة المؤمنين إلى الالتزام بأحكام الإسلام جميعها، قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة } (البقرة:208)؛ ونقرأ في صفة القرآن الكريم بأنه: { يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } (المائدة:16)، ونقرأ أيضاً دعوته سبحانه لعباده المؤمنين، أن يجدُّوا في العمل، ويكدوا في السعي من أجل دار باقية، لا من أجل دار فانية، ويقول في وصف تلك الدار: { والله يدعو إلى دار السلام } (يونس:25)، علاوة على أن (السلام) اسم من أسماء الله تعالى .

وإذا وجهنا أنظارنا تلقاء ساحات القتال، ومواطن النـزال، ومخابر الرجال، وجدت خطاب القرآن يقول: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } (الأنفال:61) فالآية خطاب عام بالدعوة إلى الاستجابة للسلم، إذا ما طلبه الخصم .

ثم إننا نقرأ خطاباً من نوع آخر في القرآن، يقول: { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون } (محمد:35)، وهذا الخطاب ينهى المؤمنين عن الاستكانة للعدو، ومسالمته، ويخبر أن النصر مع المؤمنين إن صدقوا الله في جهادهم لأعدائهم .

إذن، نحن أمام خطابين قرآنيين، وإن شئت قل: أمام نصين قرآنيين؛ أحدهما: يدعو المؤمنين إلى الاستجابة إلى نداء السلم، والدخول في المسالمة، وقبول الصلح؛ وثانيهما: ينهي المؤمنين عن الضعف الاستكانة والمسالمة. ولا يخفاك ما يبدو من تعارض بين الآيتين على النحو الذي قررناه آنفاً .

وقد توقف المفسرون عند الآيتين الكريمتين، وذكروا أن الآيتين من حيث الظاهر متعارضتان؛ وكان لهم مسلكان في دفع هذا التعارض:

المسلك الأول: يرى أصحاب هذا المسلك أن قوله تعالى: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها }، منسوخ بالآيات الآمرة بجهاد الكفار وقتالهم، كقوله تعالى: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } (التوبة:29)، وقوله سبحانه: { وقاتلوا المشركين كافة } (التوبة:36)، ونحو ذلك من الآيات الداعية إلى قتال أهل الكفر والعناد. ومن القائلين بالنسخ: قتادة وعكرمة والحسن البصري وبعض التابعين .

وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يشدُّ من أزر هذا القول، وذلك فيما أخرجه أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها }، قال: نسختها هذه الآية: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } .

المسلك الثاني: يرى أن الآيتين محكمتان، ولا نسخ بينهما، بل كل آية منهما تتحدث عن حالة غير الحالة التي تتحدث عنها الآية الأخرى، وبالتالي يكون لكل حالة حكم مغاير عن حكم الحالة الأخرى، وإن كان المفسرون يختلفون وراء ذلك في توجيه الآيات، وبيان الحالات؛ فمنهم من قال: إن قوله تعالى: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها }، يتحدث عن حالة يكون فيها المسلمون في موقع قوة، وسيطرة على مجريات الأمور، فإذا طلب الأعداء - والحالة كذلك - السلم من المسلمين، فإن على المسلمين أن يستجيبوا لهم، ويعطوهم ما طلبوا من سلم ومسالمة .

أما قوله تعالى: { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون }، فيتحدث عن حالة يطلب المسلمون فيه السلم من الأعداء ابتداء، فهذا الذي نهت عنه الآية، وطلبت من المؤمنين ألا يدعوا المشركين إليه، بل عليهم أن يُعدُّوا العُدة، ويتأهبوا لملاقاة الأعداء، ويطلبوا العون من الله، فإنه ناصرهم لا محال .

إذن، لما كان مورد الآيتين مختلفاً، فقد استدعى ذلك اختلافاً في الحكم، دون أن يعني ذلك تعارضاً بين الآيتين؛ لاختلاف الحالتين، واختلاف الموردين اللذَيْن تتحدث عنهما كل آية .

وللعلم، فإن دعوة المسلمين الكفار إلى الصلح ابتداء - كما يذكر الطبري - لم يرد لها ذكر في القرآن، وإنما الذي ورد أن يجنحوا للسلم، إن طلب منهم الكفار ذلك .

هذا، وقد رد الطبري قول القائلين بالنسخ فقال ما حاصله: ومن قال بأن هذه الآية منسوخة، فقول لا دلالة عليه من كتاب، ولا سُنَّة، ولا فطرة عقل .

ومع أن الطبري نفى أن يكون ثمة نسخ بين الآيتين، إلا أنه - كما يُفهم من كلامه - يذهب إلى أن قوله تعالى: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } نص خاص عنى به بني قريظة، وكانوا يهوداً أهل كتاب، وقد أذن الله سبحانه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب، ومتاركتهم الحرب على أخذ الجزية منهم، وروى عن مجاهد: { وإن جنحوا للسلم }، قال: قريظة .

ومنهم من نفى أن يكون بين الآيتين نسخ أو تخصيص، وإنما كل آية يُعمل بها في موضعها؛ ومحصل هذا التوجه كما يفيده كلام ابن كثير: أن الأصل قتال أهل الشرك، إذا أمكن ذلك، والعمل بهذا يكون على وفاق قوله تعالى: { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون }؛ أما إن كان المسلمون في حالة ضعف، بحيث لا يمكنهم قتال المشركين، فإنه - والحالة كذلك - يجوز مهادنتهم، ولو لم يطلب المشركين الصلح. وعلى هذا - بحسب ابن كثير - لا منافاة، ولا نسخ، ولا تخصيص بين الآيتين؛ فإحداهما: تقرر ما هو الأصل، وهو القوة؛ والأخرى: تقرر ما هو الاستثناء، وهو حال الضعف .

وقريب مما ذهب إليه ابن كثير، ما ذهب إليه الشوكاني، مع شيء من الاختلاف في التوجيه، حيث قرر الشوكاني أنه " لا مقتضى للقول بالنسخ، فإن الله سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية عن أن يدعوا إلى السلم ابتداء، ولم ينه عن قبول السلم إذا جنح إليه المشركون، فالآيتان محكمتان ولم يتواردا على محل واحد حتى يحتاج إلى دعوى النسخ أو التخصيص " .

ومن الملاحظ أن أصحاب المسلك الثاني، قد اتفقوا على أن الآيتين محكمتان، وألا نسخ بينهما مطلقاً؛ غير أنهم افترقوا بعض الشيء في توجيه الآيتين؛ فالطبري ذهب إلى أن آية الأنفال خاصة، وابن كثير لم ير التخصيص، ووجه الآيتين على أساس حالة المسلمين من القوة والضعف؛ والشوكاني وجَّه الآيتين على أساس الابتداء في طلب السلم وعدمه .

فتحصل مما تقرر في هذا المسلك، أن الدعاء إلى السلم المنهي عنه في قوله تعالى: { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون }، إنما هو طلب السلم والمسالمة من العدو في حال قدرة المسلمين، وخوف العدو منهم، فالنهي عن السلم هنا مقيد بكون المسلمين داعين له، وبكونهم في حالة قوة ومَنَعة، بحيث يدعون إلى السلم رغبة في الدعة؛ أما السلم الوارد في قوله تعالى: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها }، فإنه سِلْم طلبه العدو، فليست هذه الآية ناسخة لتلك ولا العكس، ولكلٍّ حالة خاصة .

بقي أن نشير هنا إلى أمرين، بهما تحصل الفائدة:

الأول: أن السلم الذي دعت إليه الآية القرآنية - آية الأنفال - إنما هو سلم يكون مع أقوام لم يكونوا قد احتلوا البلاد، وأذلوا العباد، وإنما مع أقوام يُقيمون في ديارهم، وجرى بينهم وبين المؤمنين قتال لسبب من الأسباب. وإن شئت قل: إن آية الأنفال تنطبق على العدو الذي يكون له أرض ودولة خاصة به منذ الأصل؛ أما من احتل أرض غيره، ثم دعا إلى سلام ومسالمة، فلا ينطبق عليه حكم الآية المشار إليها، ولا يصح عليه معنى الجنوح إلى السلم، إلا إذا صحت مصالحة المسروق للص السارق !

الثاني: أنه سبحانه قال: { وإن جنحوا للسلم }، ولم يقل: ( وإن طلبوا السلم ) فأجبهم إليها، للتنبيه على أن الأعداء لا يجابون إلى السلم، إلا إذا عُلم من حالهم الرغبة فيه؛ لأنهم قد يُظهرون الميل إلى السلم كيداً أو خدعة، وعندئذ فلا ينبغي أن يجابوا إليه. وهذا مستفاد من دلالة الفعل ( جنح ). أفاده ابن عاشور .


Leia Mais…

صيغة المبالغة (أظلم) في القرآن

وردت في القرآن في خمسة عشر موضعاً آيات تصف بالظلم من يقوم ببعض الأفعال والأقوال المنهي عنها شرعاً؛ من ذلك قوله تعالى: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه } (البقرة:114)، ومنها قوله سبحانه: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله } (المائدة:140)، ومنها قوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته } (الأنعام:21)، ومنها قوله سبحانه: { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها } (الكهف:57)، ومنها قوله سبحانه: { فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه } (الزمر:32) ونحو ذلك من الآيات .

وهذه الآيات جاءت باستعمال صيغة المبالغة (أفعل) وهذه الصيغة تفيد أن الشخص الموصوف بها لا أحد غيره يفوقه في تلك الصفة؛ فأنت إذا قلت: لا أحد أجود من حاتم، فهذا يعني أن حاتماً أجود الناس، ولا يفوقه أحد آخر بهذا الجود؛ وعلى هذا الأسلوب تجري صيغة المبالغة في الأوصاف والأفعال .

والآيات التي صدَّرنا بها الحديث أخبرت بأنواع متفرقة من الأفعال؛ فأخبرت أنه لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه؛ وأخبرت أنه لا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله؛ وأخبرت أنه لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً؛ وأخبرت أنه لا أحد أظلم ممن ذُكِّر بآيات ربه فأعرض عنها؛ وأخبرت أنه لا أحد أظلم ممن كَذَب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه، وعلى هذا المنحى أخبرت باقي الآيات التي جاءت على هذه الصيغة .

وقد يبدو للقارئ أن ثمة تعارضاً بين هذه الآيات؛ وذلك أن كل آية من هذه الآيات أخبرت عمن وصفته بأنه ( أظلم )، وهذا يقتضي أن المتصف بذلك الوصف أظلم من غيره؛ فمثلاً الآية الأولى أخبرت أن من يمنع العبادة في مساجد الله هو أظلم الناس، وهذا الإخبار قد يُفهم منه أنه لا أحد أظلم ممن يقوم بهذا الفعل، وهذا بحسب ما تقتضيه صيغة المبالغة ( أفعل )؛ ومثل ذلك يقال في سائر الآيات الواردة على هذه الشاكلة .

ولا شك أن نفي أن يكون أحد أظلم ممن يمنع مساجد الله أن يُعْبَدَ الله فيها، يعارضه الذي يفتري على الله الكذب، ويعارضه الذي يكتم شهادة عنده من الله، ويعارضه الذي يُعرض عن ذكر الله، ويعارضه كل ما جاء في تلك الآيات التي سيقت هذا المساق؛ إذ كل آية من هذه الآيات توهم التعارض مع غيرها من الآيات التي تصف بعض الناس بأنه (أظلم) مَن يقوم بهذا الفعل المذكور فيها. هذا وجه الإشكال الذي قد يبدو للبعض بين هذه الآيات .

وقد أعرض أكثر المفسرين عن هذا الإشكال، ولم يولوه اهتماماً، وربما لم يجدوا فيه إشكالاً يستحق الوقوف عنده، وتعرض إليه بعض المفسرين، ك أبي حيان و الآلوسي .

وكان ممن تعرض لهذا الإشكال، وتوقف عنده الزركشي في كتابه "البرهان"، حيث نقل أجوبة المفسرين عليه، واختار قولاً مال إليه، ونحن نلخص الأجوبة التي ذكرها في هذا الصدد على النحو التالي:

الجواب الأول: أن صيغة المبالغة (أظلم) الواردة في هذه الآيات وأمثالها مخصصة من عموم السياق الذي وردت فيه؛ فقوله تعالى: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه } مخصص من عموم المانعين - المانعين لكل حق - فيكون أظلم المانعين من منع ذكر الله .

وكذلك الأمر في قوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا }، معناه أن أظلم المفترين والكاذبين من يفتري على الله كذباً، وكأنه قيل: لا أحد من المفترين (عموم المفترين) أظلم ممن افترى على الله كذباً. فصيغة المبالغة (أظلم) في الآية مخصصة من مطلق المفترين .

وعلى هذا المنحى (التخصيص) من العموم تفهم سائر الآيات التي جاءت على هذه الشاكلة؛ وبالتالي لا يكون ثمة تعارض مع غيرها من الآيات .

الجواب الثاني: أن صيغة المبالغة (أظلم) في كل آية من تلك الآيات خاصة بأول من قام بالفعل الذي جاء ذمُّه في كل آية؛ إذ لمَّا لم يسبق أحد إلى مثل ذلك الفعل، حُكم عليهم بأنهم (أظلم) ممن جاء بعدهم، سالكاً طريقتهم؛ فصيغة المبالغة (أظلم) في آية المانعين مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، تعني بحسب هذا الجواب، أن من سبق إلى هذا المنع من عموم المانعين، هو أظلمهم؛ وكذلك الأمر في صيغة المبالغة (أظلم) في آية المفترين على الله كذباً، فإن أظلمهم من بدأ بهذا الافتراء، وسبق غيره ممن جاء بعده، وبهذا لا يكون تعارض أيضاً بين الآيات؛ لأن صيغة المبالغة (أظلم) في كل آية من تلك الآيات تتحدث عن الأسبقية الزمنية لذلك الفعل، كالمنع، والافتراء، والإعراض عن ذكر الله .

الجواب الثالث: أن الآيات سيقت مساق الاستفهام، والاستفهام فيها ليس على سبيل الحقيقة، وإنما على سبيل الاستعارة؛ لبيان عظم تلك الأفعال، وبالتالي لا يتعارض ذلك مع كون غيره أظلم منه إن فُرض ذلك، وكثيراً ما يستعمل هذا في كلام العرب، بقصد تهويل الأمر وتعظيمه، فيقال مثلاً: أي شيء أعظم من الزنى؛ وأي شيء أعظم من شرب المسكر. فقائل ذلك يقصد بيان عظم الإتيان بتلك الأفعال، ولا يقصد أن تلك الأفعال هي الأعظم، وأنه لا يوجد أعظم جُرماً منها، ولو قيل للمتكلم بذلك: أنت قلت: إن الزنى وشرب المسكر أعظم الأشياء لأبى ذلك .

وهذا الجواب الثالث هو الذي ارتضاه الزركشي ، وقال بعد أن ساقه: فليُفهم هذا المعنى، فإن الكلام ينتظم معه، والمعنى عليه .

ثم إن أبا حيان الأندلسي في تفسيره "المحيط" قد أجاب على هذا الإشكال جواباً غير الذي تقدم، حاصله: أن كل آية من هذه الآيات أثبتت صفة (الظلم) بصيغة المبالغة لمن وصفتهم، فيكون الجميع مشتركين في هذا الوصف (أظلم)، ولا يعني ذلك أن يكون أحدهم أقل أو أكثر ظلماً من الآخر؛ غاية ما تعنيه الآيات أن هؤلاء المذكورين هم (أظلم) من غيرهم .

قال الألوسي : " وقصارى ما يفهم من الآيات (أظلمية) أولئك المذكورين فيها ممن عداهم؛ كما أنك إذا قلت: لا أحد أفقه من زيد و عمرو و خالد ، لا يدل على أكثر من نفي أن يكون أحد أفقه منهم "، ولا يدل ذلك على أن أحدهم أفقه من الآخر .

على أن مما ينفي وجود تعارض بين هذه الآيات وما شاكلها، أنها واردة في الكفار، فهم متساوون في (الظلم)، وإن اختلفت طرق ظلمهم، فكلها مؤدية إلى الكفر، فهو شيء واحد لا يمكن فيه الزيادة بالنسبة للكفار، وإنما تمكن الزيادة في الظلم بالنسبة لهم، وللعصاة من المؤمنين، من جهة اشتراكهم فيه، فنقول: الكافر أظلم من المؤمن، ونقول: لا أحد أظلم من الكافر، ومعناه: أن ظلم الكافر يزيد على ظلم غيره من عصاة المؤمنين .

وبما تقدم يتبين أن الآيات موضوع الحديث، وإن وردت كلها بصيغة المبالغة (أظلم): { ومن أظلم }، و{ فمن أظلم }، إلا أن هذه الصيغة - كما يقول أهل اللغة - ليست على بابها، وإنما المراد منها بيان عِظَم تلك الأفعال. وبهذا ينتفي أن يكون تعارض بين تلك الآيات .

Leia Mais…

{كتاب أحكمت آياته} و {كتاباً متشابهاً}

وصف سبحانه القرآن بأوصاف من صفات الكمال؛ فوصفه بأنه قرآن عربي، وقرآن مبين، وقرآن عظيم، وقرآن حكيم، وقرآن مجيد، وقرآن كريم، وأنه كتاب عزيز، وكتاب حفيظ، وكتاب مكنون، وغير ذلك من الأوصاف التي لم تجتمع لكتاب سماوي غير القرآن، فضلاً عن أن تجتمع في كتاب أرضي .

ومن الأوصاف التي وصف الله بها كتابه المحفوظ أنه { كتاب أحكمت آياته } (هود:1)، فجاء وصف القرآن كله بأنه كتاب (محكم)، ووصفه سبحانه في موضع آخر القرآن بأنه كتاب (متشابه)، وذلك في قوله سبحانه: { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها } (الزمر:23) و{ أحسن الحديث } القرآن، وأخبر سبحانه في موضع ثالث عن القرآن بأن { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } (آل عمران:7) .

وقد يتساءل البعض فيقول: كيف يصف سبحانه كتابه تارة بأنه كتاب محكم، وتارة أخرى بأنه كتاب متشابه، وتارة ثالثة بأن فيه آيات محكمات وفيه آيات متشابهات، أليس في هذا تعارض وتناقض ؟!

قبل الجواب على هذا السؤال، لا بد من الوقوف عند المقصود من كل آية من هذه الآيات الثلاث، ثم نتبع ذلك بمزيد إيضاح، كي يستبين لنا وجه الصواب في معنى هذه الآيات، فيرتفع من - خلال ذلك - ما يبدو بينها من تعارض أو تناقض .

أما قوله تعالى: { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات }، فالراجح في معناها: أن (المحكمات) من الآيات، هي ما عُرف تأويله، وفُهم معناه وتفسيره، كقوله تعالى: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } (المائدة:38)، فهذه الآية تتضمن حكماً واضحاً .

أما (المتشابه) من الآيات، فهي التي تشتبه على فهم كثير من الناس، ولا يزول هذا الاشتباه إلا بردها إلى (المحكم)؛ ويمكن أن يقال فيها: إنها ما لم يكن لأحد إلى علمها سبيل، بل هي مما استأثر الله تعالى بعلمها دون خلقه، كقوله تعالى: { إن الله عنده علم الساعة } (لقمان:34)، وقوله سبحانه: { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي } (الإسراء:85)، ومن قبيل (المتشابه) أيضاً الحروف المقطعة في أوائل السور .

وأما قوله تعالى: { كتاب أحكمت آياته }، أي: أحكمت آياته في النظم والوضع، وأنه حق من عند الله، لا مدخل لأحد في نظمه ولا في معناه؛ فمعنى (الإحكام) هنا: أنه لا يتطرق إلى آياته تناقض ولا فساد، كإحكام البناء، فإن القرآن نسخ جميع الكتب المتقدمة عليه، وأحكم أمر الشرائع إحكاماً لا إحكام بعده .

وقوله تعالى: { كتاباً متشابهاً }، أي: يشبه بعضه بعضاً في الصحة والفصاحة والحسن والبلاغة، ويصدق بعضه بعضاً، ويدل بعضه على بعض، فآياته متساوية في ذلك بحسب ما يقتضيه حال كل آية منها، فلا تعارض فيها ولا تناقض بينها ولا اختلاف، بل كلما تدبره المتدبر، وتفكر فيه المتفكر، رأى من اتفاقه - حتى في معانيه الغامضة - ما يبهر الناظرين، ويجزم بأنه لا يصدر إلا عن حكيم عليم، بخلاف ما هو حاصل في كلام البشر، فالكاتب البليغ والشاعر المجيد لا يخلو كلام أحدهما من ضعف في بعضه، وأيضاً لا تتشابه أقوال أحد منهما، بل تجد لكل منهما قطعاً متفاوتة في الحسن والبلاغة وصحة المعاني .

إذا تبين المقصود من هذه الآيات، ننعطف على رفع ما يبدو بينها من تعارض، فنقول: إن المراد بـ (المحكمات) في قوله تعالى: { منه آيات محكمات } غير المراد من (المحكم) في قوله سبحانه: { أحكمت آياته }؛ إذ المراد بـ (المحكم) في سورة آل عمران ما لا التباس فيه، ولا يحتمل إلا وجهاً واحداً، وهو المقابل لـ (المتشابه)؛ أما المحكم في سورة هود، فالمراد منه (الإحكام) في النظم، وأنه كله حق من عند الله، على معنى قوله تعالى: { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } (فصلت:42) .

وأيضاً، المراد من (المتشابه) في قوله سبحانه: { وأخر متشابهات } غير المراد من (التشابه) في قوله سبحانه: { كتاباً متشابهاً }؛ إذ المراد بـ (المتشابه) في سورة آل عمران ما كان من باب الاحتمال والاشتباه، على معنى قوله سبحانه: { إن البقر تشابه علينا } (البقرة:70)، أي: التبس علينا، أي: يحتمل أنواعاً كثيرة من البقر؛ أما المراد بـ (المتشابه) في سورة الزمر، فالمراد منه التوافق في الوصف، بمعنى أن كله يشبه بعضه بعضاً، ولا يخالف بعضه بعضاً؛ لأن مصدره واحد، هو الله سبحانه، على معنى قوله تعالى: { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } (النساء:82) .

وبما تقدم نعلم، أن (الإحكام) و(التشابه) في قوله تعالى: { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات }، هما من باب التقابل، أي: أن (المحكم) مقابل لـ (المتشابه)، وبعبارة أخرى: (المحكم) بمثابة الأصل، و(المتشابه) بمثابة الفرع، يقول القرطبي: " فالمحكم أبداً أصل تُردُّ إليه الفروع، والمتشابه هو الفرع "؛ وعليه فـ (المحكم) و(المتشابه) في هذه الآية مصطلحان يندرجان ضمن مباحث أصول الفقه .

أما (المحكم) في قوله سبحانه: { أحكمت آياته }؛ فليس مقابلاً لـ (المتشابه) في قوله تعالى: { كتاباً متشابهاً }، بل كل منهما وصف للقرآن جميعه؛ إذ إحداهما تثبت أن القرآن كتاب (محكم) في النظم، والأخرى تثبت أن القرآن يشبه بعضه بعضاً من جهة اللفظ ومن جهة المعنى، فليس فيه لفظ ضعيف وآخر قوي، وليس فيه معنى بليغ وآخر غير بليغ، بل ألفاظه كلها في غاية الضبط والقوة والإحكام، ومعانيه كله بالغة النهاية في البلاغة والبيان؛ وعليه فـ (المحكم) و(المتشابه) هنا يندرجان في مباحث بلاغة القرآن وإعجازه .

فتحصَّل من مجموع ما تقدم: أن المراد بـ (المحكم) و(المتشابه) الوارد في قوله تعالى: { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات }، غير (المحكم) الوارد في قوله سبحانه: { كتاب أحكمت آياته }، وغير (المتشابه) الوارد في قوله تعالى: { كتاباً متشابهاً }، بل كل وصف من هذه الأوصاف جاء مناسباً للسياق الذي وردت فيه الآية، الأمر الذي ينفي التعارض تماماً بين هذه الآيات .

Leia Mais…

لمن ضره أقرب من نفعه


في سياق حديث القرآن الكريم عن فريق من الناس يعبدون الله على تردد وتشكك، يذكر سبحانه من صفات هذا الفريق أنه: { يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه } (الحج:12)، ثم يبين عز وجل أن هؤلاء المدعوين ضررهم أكثر من نفعهم، فيقول تعالى: { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير } (الحج:13).

وهاتان الآيتين الكريمتان قد يبدو بينهما للوهلة الأولى شيء من التعارض والتناقض؛ وذلك أن الآية الأولى نفت أن يكون لهؤلاء المدعوين أي تأثير فيمن يدعونهم نفعاً أو ضراً؛ بالمقابل فإن الآية الثانية أثبتت لهؤلاء المدعوين شيئاً من التأثير، حيث قررت أن ضرهم أكثر من نفعهم، ومفهوم هذا أنهم يملكون ضراً ونفعاً؛ لأن صيغة التفضيل في قوله: { أقرب } دلت على أن هناك نفعاً وضراً، ولكن الضر أقرب من النفع. غير أن المعبود من دون الله، ليس فيه نفع البتة، حتى يقال فيه: إن ضره أقرب من نفعه. فهذا وجه التعارض بين الآيتين. فكيف التوفيق بينهما؟

يذكر المفسرون أجوبة عديدة في التوفيق بين الآيتين، نختار منها ما ذكره الرازي وما ذكره أبو حيان ، ففيما ذكراه بيان لما هو مطلوب، وغَناء عما سواهما:

أما الرازي فقد وفَّق بين الآيتين بأمور ثلاثة، نذكر منها اثنين:

أحدهما: أن الأصنام لا تضر بأنفسها ولا تنفع، ولكن عبادتها سبب الضرر؛ وذلك كافٍ في إضافة الضرر إليها، كقوله تعالى: { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } (إبراهيم:36)، فأضاف الإضلال إلى الأصنام من حيث كانوا سبباً للضلال. وهكذا هنا نفى الضرر عنهم في الآية الأولى بمعنى كونها فاعلة، وأضاف الضرر إليهم في هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر. وعليه، فإن الضر والنفع المنفيين في الآية الأولى ما يكون بطريق المباشرة، أما الضر والنفع المثبتين في الآية الثانية ما يكون بطريق التسبب.

وتأسيساً على هذا التوجيه، فإن إثبات الضر والنفع للمدعوين، ليس على سبيل الحقيقة، وإنما هو على سبيل الإضافة، كما نقول: هذا مال فلان. فنسبة الملك لفلان إنما هي نسبة إضافية، وليست حقيقية؛ لأن المالك الحقيقي للمال هو الله سبحانه، قال تعالى: { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } (النور:33).

ثانيهما: أن إضافة النفع والضر إلى هؤلاء المدعوين، إنما هو على سبيل الافتراض، ومسايرة الخصم في المجادلة، فكأنه سبحانه بيَّن في الآية الأولى أنها في الحقيقة لا تضر ولا تنفع، ثم قال في الآية الثانية: لو سلمنا كونها ضارة نافعة، لكان ضررها أكثر من نفعها. وعلى هذا، فإن الضر والنفع المنفيين هما الحقيقيان، والضر والنفع المثبتان هما الافتراضيان.

أما أبو حيان فقد وفق بين الآيتين بما حاصله: أن الآية الأولى واردة في الذين يعبدون الأصنام، فالأصنام لا تنفع مَن عَبَدها، ولا تضر من كفر بها؛ ولذا قال فيها: { ما لا يضره وما لا ينفعه }، والقرينة على أن المراد بذلك الأصنام، هي التعبير بحرف (ما) في قوله { ما لا يضره وما لا ينفعه }؛ لأن هذا الحرف يأتي لما لا يعقل، والأصنام لا تعقل.

أما الآية الأخرى فهي فيمن عبد بعض الطغاة المعبودين من دون الله، كفرعون القائل: { ما علمت لكم من إله غيري } (القصص:38)، والقائل: { لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } (الشعراء:29)، والقائل: { أنا ربكم الأعلى } (النازعات:24)، فإن فرعون ونحوه من الطغاة المعبودين قد يغدقون نِعَم الدنيا على عابديهم؛ ولذا قال له سحرته: { أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين } (الشعراء:41-42)، فهذا النفع الدنيوي بالنسبة إلى ما سيلاقونه، من العذاب والخلود في النار، لا يساوي شيئاً يذكر، فضرُّ هذا المعبود بخلود عباده في النار، أقرب من نفعه، بعَرَض قليل زائل من حطام الدنيا. والقرينة على أن المعبود في هذه بعض الطغاة الذين هم من جنس العقلاء: هي التعبير بالحرف (مَن)، الذي يأتي لمن يعقل في قوله: { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه }.

هذا، وقد عقب الشيخ الشنقيطي على جواب أبي حيان بقوله: وله اتجاه. وهذا تصويب من الشيخ لما ذهب إليه أبو حيان .

ومن متممات الحديث عن هاتين الآيتين، أن إيراد صيغة التفضيل في قوله سبحانه: { أقرب من نفعه }، مع عدم النفع بالمرة؛ للمبالغة في تقبيح حال ذلك الداعي، وللتهكم بحال المدعوين الذي لا يملكون من أمرها شيئاً.

وبناء على ما تقدم، يتضح ألا تعارض في الحقيقة بين الآيتين، بل كل واحدة منهما كاشفة عن وجه المقصود، ومبينة أن الضار والنافع في المحصلة هو الله سبحانه، وأن الأصنام - سواء أكانت بشرية أم حجرية - لا نفع فيها بحال من الأحوال، بل هي ضرر بحت لمن يعبدها .

Leia Mais…

هل يجتمع الإيمان بالله والشرك به؟!


القرآن الكريم أصدق كتاب عرفته الإنسانية، وأجل نص مكتوب على ظهر الأرض، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من رب العالمين، فهو الكتاب المبين، وهو الكتاب الهادي إلى صراط مستقيم.
ومع كل ذلك، فقد يقف قارئ كتاب الله على بعض الآيات التي تثير تساؤلاً يحتاج إلى جواب، أو تطرح إشكالاً ينتظر حلاً.
ومن الآيات التي ينطبق عليها ما وصفنا، قوله عز وجل: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} (يوسف:106).
لم ير أكثر المفسرين في هذه الآية إشكالاً، بل ذكروا أن الآية نزلت في أهل مكة، آمنوا وأشركوا، كانوا يقولون في تلبيتهم: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك)، ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم إذا سمع أحدهم يقول: (لبيك لا شريك لك)، يقول له: (قط قط)، أي: يكفيك ذلك، ولا تزد (إلا شريكاً). وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن كثير من التابعين. واعتبروا هذه الآية بمعنى قوله تعالى في آيات أخر: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون} (العنكبوت:61)، وقوله سبحانه: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} (لقمان:25)، ونحو ذلك من الآيات.
وقد ذكر ابن عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الآية نزلت في أهل الكتاب، الذين يؤمنون بالله، ثم يشركون من حيث كفروا بنبيه، أو من حيث قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله.
وبحسب هذا المروي والمنقول يكون المعنى: إن الكثير من الناس كانوا مقرين بوجود الإله، بيد أنهم كانوا يثبتون له شريكاً في المعبودية.

وجه الإشكال

رأى الشيخ الشنقيطي في الآية إشكالاً مفاده : أن الآية قررت أن أكثر الناس لا يؤمنون بالله إلا حال كونهم مشركين، فكيف يجتمع الإيمان مع الكفر؟! وبحسب عبارته: إن من المقرر في علم البلاغة أن (الحال) قَيْدٌ لعاملها، وصْفٌ لصاحبها. وجملة {وهم مشركون} جملة حالية، و(العامل) فيها الذي هو يؤمن مقيد بها، فيصير المعنى: تقييد إيمانهم بكونهم مشركين، وهو مشكل؛ لما بين الإيمان والشرك من المنافاة.

الجواب عن هذا الإشكال

أجاب الشيخ الشنقيطي عن هذا الإشكال بقوله: "إن هذا الإيمان المقيد بحال الشرك، إنما هو إيمان لغوي لا شرعي؛ لأن من يعبد مع الله غيره لا يصدق عليه اسم الإيمان البتة شرعاً. أما الإيمان اللغوي فهو يشمل كل تصديق، فتصديق الكافر بأن الله هو الخالق الرزاق، يصدق عليه اسم الإيمان لغة مع كفره بالله، ولا يصدق عليه اسم الإيمان شرعاً. وإذا حققت ذلك، علمت أن الإيمان اللغوي يجامع الشرك، فلا إشكال في تقييده به".
فرفع الإشكال - وفق الشنقيطي - يكون بحمل (الإيمان) في الآية على معناه اللغوي العام، وهو التصديق، وبذلك لا يكون ثمة تعارض بينه وبين الإشراك بالله، وتصديق الكافر بأن الله خالق كل شيء يصدق عليه مسمى (الإيمان) لغة، وإن كان لا يصدق عليه مسمى (الإيمان) شرعاً.
وأيد الشيخ الشنقيطي ما ذهب إليه بقوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} (الحجرات:14). فـ (الإسلام) في الآية هو (الإسلام) اللغوي، الذي هو بمعنى الاستسلام؛ لأن (الإسلام) الشرعي لا يوجد ممن لم يدخل (الإيمان) في قلبه.
هذا محصل كلام الشيخ الشنقيطي. وأصل جوابه ذكره الشيخ ابن عطية، قال: "فهذا الإيمان لغوي فقط من حيث هو تصديقها".
ولم يذكر الشيخ ابن عاشور إشكالاً في الآية، غير أنه ذكر جواباً، يفيد أن ظاهر الآية مشكل، فقال: "فجملة {وهم مشركون} حال من {أكثرهم}. والمقصود من هذا تشنيع حالهم. والأظهر أن يكون هذا من قبيل تأكيد الشيء بما يشبه ضده على وجه التهكم". فالآية - وفق ابن عاشور - ليس المراد منه ظاهرها على الحقيقة، بل هي واردة على سبيل التهكم بالمشركين، وأنها من باب تأكيد الشيء بما يشبه ضده، بغرض التهكم.
والذي ينبغي المصير إليه في هذه الآية ونحوها، الاعتقاد أنه لا إشكال فيها، بل ينبغي فهمها على ضوء غيرها من الآيات، وعلى ضوء ما جاء من آثار في تفسيرها، وعلى ضوء أساليب العربية.

Leia Mais…

فيكشف ما تدعون إن شاء


في القرآن الكريم آيات حثت على الدعاء، وعلقت إجابة الداعي بالدعاء مطلقاً، نقرأ في ذلك قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} (البقرة:168)، وقوله سبحانه: {أم من يجيب المضطر إذا دعاه} (النمل:62)، وقوله عز وجل: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } (غافر:60).

بالمقابل جاءت في القرآن آية، علقت إجابة الدعاء على المشيئة الإلهية، وذلك قوله سبحانه: {إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} (الأنعام:41).
فالآيات الثلاث الأُول ربطت بين الدعاء وبين الإجابة، ورتبت إجابة الدعاء على الدعاء، ما يفيد أن الإجابة حاصلة كنتيجة وأثر للدعاء نفسه. أما آية الأنعام فقد قيدت إجابة الدعاء بمشيئة الله، ما يفيد أنه سبحانه قد يجبب الداعي إذا دعاه، وقد لا يجيب دعوته، وهذا ما يفيده قوله تعالى: {إن شاء}. وظاهر هذه الآيات يفيد أن بينها تعارضاً، فكيف الطريق إلى التوفيق والجمع بينها؟
تعددت أقوال المفسرين في طريق التوفيق والجمع بين هذه الآيات، ونحن نلخصها وفق الآتي:
أولاً: أن الآيات الثلاث الأُول جاءت مطلقة، وآية الأنعام جاءت مقيدة، والقاعدة في التفسير أن النص المطلق يُحمل على المقيد، ما يعني أن الآيات التي جاءت بإطلاق الإجابة، قُيدت بآية الأنعام، فيكون معنى الآيات المطلقة مفسراً ومبيناً بما جاء في الآية المقيدة، ومن ثم تكون إجابة الله لدعاء عباده متعلقة بمشيئته سبحانه. وهذا القول هو الذي عليه كثير من المفسرين.
وبحسب هذا القول، يكون محصل القول في الجمع بين هذه الآيات بأن يقال: إن الداعي لا بد وأن يجد من دعائه عوضاً، إما إسعافاً بطلبته التي لأجلها دعا، وذلك إذا وافق دعاؤه القضاء، فإذا لم يوافق القضاء، فإنه يعطى سكينة في نفسه، وانشراحاً في صدره، وصبراً يسهل معه احتمال البلاء الحاضر، وعلى كل حال فلا يعدم فائدة، وهو نوع من الاستجابة. يشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يدعو بدعوة، ليس فيها أثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها) رواه أحمد.
وهذا الحديث يكشف حقيقة المراد من هذا الآيات؛ وذلك أنه تعالى قال: {ادعوني أستجب لكم}، ولم يقل: (أستجب لكم في الحال)، فإذا استجاب للداعي ولو في الآخرة، كان الوعد صدقاً.
ثانياً: أن الآية التي علقت إجابة الدعاء بالمشيئة جاءت في دعاء الكفار، كما هو ظاهر سياقها، أما الآيات التي وعدت بالإجابة مطلقاً فقد جاءت في دعاء المؤمنين. وعليه فدعاؤهم لا يُرد، إما أن يعطوا ما سألوا، أو يُدخر لهم خير منه، أو يدفع عنهم من السوء بقدره. وهذا رأي لبعض المفسرين في الجمع بين هذه الآيات.
ثالثاً: أن المراد بالدعاء في الآيات العبادة؛ بدليل قوله تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} (غافر:60)، فالعبادة في الآية: الدعاء، أي: إن الذين يعرضون عن دعائه، مصيرهم إلى جهنم. وأن المراد بـ (الإجابة) في الآيات الثواب، وعليه فلا إشكال، فيكون المعنى: إن الذين يدعونني (يعبدونني)، سوف ينالون الأجر والثواب. وهذا أيضاً رأي لبعض المفسرين في الجمع بين هذه الآيات.
رابعاً: أن قوله سبحانه: {أجيب}، معناه: أسمع؛ لأن بين السماع وبين الإجابة نوع ملازمة؛ فلهذا السبب يقام كل واحد منهما مقام الآخر، فقولنا في الصلاة: سمع الله لمن حمده، أي: أجاب الله، فكذا قوله: {أجيب دعوة الداع}، أي: أسمع تلك الدعوة. فإذا حملنا قوله تعالى: {ادعونى أستجب لكم} على هذا الوجه زال الإشكال أيضاً. وهذا الوجه قاله الأنباري.
خامساً: أنه سبحانه تارة يجزم بالإجابة وتارة لا يجزم، بحسب محض مشيئته؛ ولما كان كلا الأمرين حاصلاً، فقد جاءت الآيات على حسب هذين الوجهين. وهذا الوجه ذكره الرازي.
ويمكن أن نخرج من مجموع هذه التوجيهات، أن الآيات متوافقة غاية الوفاق، وما يبدو بينها من تعارض، فهو تعارض من حيث النظر الأول والمتعجل، أما النظر المتأمل والمتأني فيدل على هذه الآيات متوافقة جميعاً، وأن إجابة دعاء الداعي تفضُّل من الله على عباده، وأن النص على الإجابة لا يقتضي التزام إجابة الدعوة لكل داع، وفي كل زمان، بل ذلك عائد لمشيئته سبحانه.

Leia Mais…